أبو الليث السمرقندي

524

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ يعني : المكان العذب الزّكي اللين من الأرض اللينة يخرج نباته إذا أمطرت فينتفع به ، كذلك المؤمن يسمع الموعظة فتدخل في قلبه فينتفع بها وينفعه القرآن كما ينفع المطر الأرض الطيبة . وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً يعني : الأرض السبخة لا يخرج نباتها إلا من كد وعناء ، فكذلك الكافر لا يسمع الموعظة ولا ينتفع بها ، ولا يتكلم بالإيمان ، ولا يعمل بالطاعة إلا كرها لغير وجه اللّه . ثم قال : كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ أي هكذا نبيّن الآيات والعلامات والأمثال لمن آمن وشكر رب هذه النعم ووحّده . قوله عز وجل : لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ يعني : بعثنا نوحا إلى قومه بالرسالة فأتاهم ، ويقال : معناه جعلنا نوحا رسولا إلى قومه . فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحّدوا اللّه ، ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أي ليس لكم رب سواه . قرأ الكسائي إله غيره بكسر الراء . وقرأ الباقون غَيْرُهُ بالضم . فمن قرأ بكسر الراء فلأجل من وجعله كله كلمة واحدة والغير تابعا له . ومن قرأ بالضم فمعناه ما لكم إله غيره ودخلت من مؤكدة . ثم قال : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو الغرق ف قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ وهم الرؤساء والأجلة والأشراف ، سموا بذلك لأنهم ملئوا بما يحتاج إليه منهم ، ويقال : لأنهم ملؤوا الناظر هيبة إذا اجتمعوا في موضع . قالوا : إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني : في خطأ بيّن . قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ وفي الآية بيان أدب الخلق في حسن الجواب والمخاطبة . لأنه ردّ جهلهم بأحسن الجواب ، وهذا كما قال اللّه تعالى : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [ الفرقان : 63 ] يعني : السداد من القول . ثم قال : أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ أي أمنعكم من الفساد وأدعوكم إلى التوحيد وأحذركم من العذاب . وقال أهل اللغة : أنصح لكم وأنصحكم لغتان بمعنى واحد ، كما يقال : شكرت لك وشكرتك ثم قال : وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ يعني : أعلم أنكم إن لم تتوبوا يأتيكم العذاب وأنتم لا تعلمون ذلك ، وذلك أن سائر الأنبياء عليهم السلام خوّفوا أمتهم بعذاب الأمم السابقة ، كما قال شعيب لقومه : أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [ هود : 89 ] وأما قوم نوح فلم يكن بلغهم هلاك أمة قبلهم . فقال لهم نوح : وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من العذاب الذي ينزل بكم . فقالت الكبراء للضعفاء لا تتبعوه فإن هذا بشر مثلكم فأجابهم نوح فقال :